عندما تتحول الاقتباسات الملهمة إلى لعبة الهاتف المكسور الرقمية

أضيف بتاريخ 08/15/2025
منصة المَقالاتيّ


تنتشر الاقتباسات الملهمة عبر منصات التواصل الاجتماعي بسرعة البرق، حاملة معها حكمة مزعومة من عقول عظيمة. لكن ما يحدث غالباً هو تحريف تدريجي لهذه النصوص، مما يخلق نسخاً مشوهة من الأفكار الأصلية.

خذ مثلاً هذا الاقتباس المنسوب إلى الكاتب الأمريكي ريتشارد باخ: "الأشياء السيئة ليست أسوأ الأشياء التي يمكن أن تحدث لنا. لا شيء هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث لنا!" يبدو الاقتباس منطقياً وملهماً، ويحمل فلسفة عميقة حول قبول التحديات في الحياة. لكن التحقق من مصادر هذا الاقتباس يكشف قصة مختلفة.

الاقتباس الأصلي الذي يظهر في المصادر الموثقة لريتشارد باخ يقول: "شيء سيء يحدث لنا ليس أسوأ شيء يمكن أن يحدث لنا. لأن أسوأ شيء يمكن أن يحدث لنا هو ألا يحدث لنا شيء على الإطلاق." الفكرة الجوهرية متشابهة، لكن الصياغة مختلفة تماماً.

هذا التحريف ليس مجرد خطأ بسيط. فالنسخة المنتشرة تحول "شيء سيء" إلى "الأشياء السيئة"، مما يغير التركيز من حدث محدد إلى مفهوم عام. كما أن الخلاصة الأصلية "لأن أسوأ شيء يمكن أن يحدث لنا هو ألا يحدث لنا شيء على الإطلاق" تصبح مجرد "لا شيء هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث لنا!" مما يفقد النص عمقه التفسيري.

هذه الظاهرة تعكس تحدياً أكبر في العصر الرقمي: كيف تتحول المعلومات أثناء انتشارها عبر الإنترنت. كل مشاركة، كل إعادة صياغة، كل ترجمة تحمل احتمالية التغيير. والنتيجة هي مجموعة هائلة من "الاقتباسات" المنسوبة خطأً أو المحرفة جزئياً.

بالنسبة للصحفيين وصناع المحتوى، تطرح هذه القضية سؤالاً أساسياً حول المسؤولية المهنية. هل يكفي أن يبدو الاقتباس منطقياً ومتماشياً مع فكر الكاتب المنسوب إليه؟ أم أن الدقة تتطلب التحقق من كل اقتباس مهما بدا مألوفاً؟

الإجابة واضحة للمهنيين الجادين: التحقق ضروري. فالثقة التي يضعها القراء في المحتوى المنشور تتطلب مستوى عالياً من الدقة الواقعية. وحتى الأخطاء الصغيرة في الاقتباسات يمكن أن تقوض هذه الثقة بمرور الوقت.

المشكلة لا تقتصر على ريتشارد باخ وحده. فالإنترنت مليء بالاقتباسات المنسوبة خطأً لشخصيات مثل أينشتاين وغاندي ومارك توين. هذه "الاقتباسات الزائفة" تنتشر لأنها تلخص أفكاراً معقدة في جمل قصيرة جذابة، مما يجعلها مثالية للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي.